صفحة عبد السلام أجرير الغماري على الفيسبوك

الجمعة، 18 يناير 2019

الثقافة الأمازيغية الحقيقية التي ندعو إليها

بعد أن حمل مشعلَ القضية الأمازيغية من له تحامل على إرث أجدادنا الأمازيغ وثقافتهم، واسترزق بها واغتنى، صار ضروريا إرجاعُ الأمور لنصابها بتحرك كافة الأمازيغ مشكلين جمعيات ولوبيات ضاغطة لإنقاذ التراث الأمازيغي الحقيقي من التشويه والاندثار وانتساب أعدائه إليه.
لا بد من صحوة أمازيغية حقيقية تستند إلى الحقائق لا إلى العواطف واللعب على وتر القومية والشعوبية الجاهلية.
وهذه بعض المسائل والقضايا التي أراها من صميم ما وجب علينا إحياؤه ونشره والدفاع عنه:
1_ اعتبار كل مكونات الشعوب المغاربية شعبا واحدا بألسن مختلفة، فالمغرب الكبير الذي جمع شتات قوميات وشعوب على مدى آلاف السنين: من صحراويين أفريكان، وفنيقيين كنعان، ويونانيين، ورومان، ومصريين، وويندال، وقوطيين، وعرب... لا يجوز لأحد أن يقصي شعبا من هذه الشعوب التي أثثت رقعة شمال إفريقيا الجميل.
2_ الأخذ في الاعتبار أن بشمال إفريقيا عدة لهجات أمازيغية، وليس هناك لغة واحدة، ففي المغرب مثلا توجد ثلاث لهجات رئيسية: السوسية والزيانية والريفية، إضافة للهجات محلية ثانوية، ويكاد لا يفهم هؤلاء هؤلاء، خاصة بالنسبة للسوسية والريفية، لا يكاد أحد الناطقين بهما أن يفهم الآخر...
وقل مثل هذا مع أمازيغيي الجزائر وليبيا وتونس ومالي وجزر الخالدات...
وعليه، فإنه ينبغي أولا إيجاد لغة واحدة جامعة بين جميع اللهجات الأمازيغية ليفهمها الجميع، وهذا تحدي يكاد يكون مستحيلا، وفي غيابه لا بد من قبول اللغة العربية كوسيلة للتواصل والتخاطب بين أمازغيي شمال إفريقيا، العربية وليست الفرنسية؛ لماذ؟ الجواب في العنصر الموالي.
3_ ضرورة اعتبار اللغة العربية رافدا من روافد الأمازيغية؛ لأنها ببساطة تشكل أكثر من نصف قاموس ومفردات اللهجات الأمازيغية، وهذا لا ينكره أحد، ومن شك فيه كتب جملة بالأمازيغية واختبرها ليتبين له الكلمات ذات الأصول العربية فيها !
وطالما أن العربية حاضرة بقوة في الأمازيغية فمن العبث تقديم لغة أجنبية عنها، إلا للضرورة.
ثم إن استعمال العربية مع المخالفين لنا في اللهجات أقرب وسيلة للتواصل، نظرا لكون جل الأمازيغ يفهمون اللهجات العربية.
ثم إن استعمال العربية فيه تقارب مع من يتكلم بالعربية من جيراننا ومواطنينا.
4_ عدم المساومة والتنازل عن عقيدة الأمازيغ الإسلامية التي اعتنقها أجدادنا طيلة 15 قرنا ودافعوا عنها وجاهدوا وحاربوا جميع المستعمرين من أجلها.
فالدين الإسلامي ومبادؤه خط أحمر، وهو نفسه يكفل حقوق الاقليات غير المسلمة التي تعيش بين الأمازيغ، ولا إشكال.
5_ إرجاع الحرف العربي في كتابة الأمازيغية، على الأقل حتى إذا لم يحل محل الحرف "التيفيناقي" الذي تم إنشاؤه إنشاء، يكون معه ورديفه، ففي إقصائه سلخ لأمة الأمازيغ عن تراثها الذي ألفت فيه الكتب بهذا الحرف العربي، فلا ينبغي أن يقع للأمازيغ ما وقع للأتراك عندما غير مصطفى أتاتورك الحرف العربي وتبنى الحرف اللاتيني فأصبح تراث الخلافة العثمانية لقرون عديدة لا يستطيع قراءته إلا قلة من المتخصصين!
6_ إحياء كل ما له علاقة بالتراث الأمازيغي الذي يضيف للثقافة قيمات جديدة دون أن يكون في ذلك تصادم مع الثوابت، فنبحث عن المخطوطات الأمازيغية المكتوبة وننشرها ونقربها للناس، فهناك عشرات المخطوطات تنتظر النور كتفاسير القرآن الكريم ودواوين الشعر وكتب في التوحيد والمنظومات التعليمية... كلها بالأمازيغية بالحرف العربي تنتظر من ينفض عنها الغبار.
7_ القطيعة مع كل ما له تعلق بالأوثان والكهانة والخرافة والشعوذة التي نبذها أجدادنا ودخلوا في الإسلام بعد الخروج منها، فإحياء طقوس وأفعال متعلقة ب"إله كوش" وب"ديك بورغواطا" وبجلود المعز والتيوس والرقص للدماء وإحياء ذكرى الكاهنة الساحرة الأوراسية... كل ذلك من الجاهلية التي لا مكان لها بعد أن من الله علينا بالإسلام.
8_ عدم تجاوز النصوص والأخبار التي نقلها إلينا الأجداد كتابة أو شفاهية إلى أخبار أعداء الأمازيغ الأقدمين من اليونان والرومان ووريثتهما فرنسا الاستعمارية، فعدوك لا يمكن أن ينقل لك رواية صحيحة عنك.
وكذلك عدم تجاوز روايات الأجداد إلى البحوث الأثرية الأركيولوجية التي يدخلها التأويل والتحريف والتزوير، وقد شاهدنا أمثلة لهذا التأويل من قبل فرنسا وإسبانيا في فترة الاستعمار.
9_ لا بأس من الاحتفال بالمناسبات العزيزة على الأمازيغ خاصة المناسبات الدينية كالعيدين والمولد النبوي الذي مجدوه كثيرا، وكذا الاحتفال بالسنة الفلاحية العجمية التي تتأخر عن السنة الميلادية بثلاثة عشر يوما، وأجدادنا احتفلوا بها كونها فلاحية مرتبطة بالأرض والفلاحة، كما احتفل بها الرومان والفرس وغيرهم، وليس كونها مرتبطة بأسطورة فرعون "شيشنق" الذي اعتلى عرش مصر كما تقول الأسطورة!
لكن من أحب من الأمازيغ الاحتفال بسنة جديدة يبدأ تاريخها من أسطورة شيشنق فله ذلك، لكن لا ينسبها لأجدادنا ولا يفرضها على باقي الأمازيغ.
10_ دراسة تاريخ الدول الأمازيغية دراسة نقدية، بدء من أقرب دولة فألاقرب، وقد شهدت شمال إفريقيا دولا عظيمة أمازيغية الحكم، وعلى رأسها دولة المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين والحفصيين والمغراويين...
ثم دراسة الممالك الأمازيغية القديمة التي نجد جل الكتب فيها باللغات الأجنبية كالرومانية واليونانية...
هذه بعض القضايا الحقيقية التي شكلت ثقافة الأمازيغ والتي ينبغي الاهتمام بها ورد الاعتبار، وليس مجرد القشور والفلكلور...

حقائق قد تصدم بعض الأمازيغ !

بصفتي تخصصتُ سابقا في التاريخ وتخرجت من "شعبة التاريخ والحضارة" من جامعة محمد الأول بوجدة، وتتبعت هذه الأمور المتعلقة بالقضية الأمازيغية ولا أزال؛ لأنها تتعلق بثقافتي وأصولي، ولكونها قضية حساسة وتعزف على وتر القومية والوطن، أقول:
- لا وجود لشيء اسمه "السنة الأمازيغية"، على الأقل قبل 1970 على أبعد تقدير، بل هي السنة الفلاحية أو السنة الأعجمية... (والعجم غير البربر في العرف والاستعمال). فكل ما نجده في تاريخنا الأمازيغي (البربري) هو الاحتفال بالسنة الفلاحية المرتبطة بالأرض والفلاحة، وليست مرتبطة بأسطورة الفرعون شيشناق أو شوشنق...
- لا وجود لاسم "الأمازيغ" بمعنى سكان شمال إفريقيا في كتب التاريخ: لا الكتب الإسلامية ولا العربية ولا الرومانية ولا اليونانية ولا القوطية ولا الوندالية ولا المصرية... بل اسمهم في كتب التاريخ هو "البربر" أو "الليبيون" أو "الإثيوبيون" أو "الفينيقيون"... وكل هذه التسميات هي لفروع من البربر وليس كل البربر. ولعل أقدم من ذكر كلمة "أمازيغ" بلفظ صريح هو ابن خلدون، حيث نسب بعض البربر (وليس كلهم) إلى مازيغ بن كنعان... فأول مصدر ترد فيه كلمة "أمازيغ" عربي إسلامي، ولكن متعصبي الأمازيغانية لا يعجبهم هذا.
أما قبل ابن خلدون فألفاظ تحتمل وتحتمل، وليست صريحة، والصريح هو البربر.
وقد نسب البربر أنفسهم لهذا الإسم واعتزوا به، كما نجده في كتاب "مفاخر البربر".
لكني أستحسن أن اطلق لفظ "الأمازيغ" بدل البربر؛ لأنه هو المنتشر الآن، ولا مشاحة في الاصطلاح.
- لا وجود لحرف إسمه "التيفيناغ"، بل هذه الحروف جلها أنشئت إنشاء، وجدوا بعض الخربشات عند الطوارق، (حوالي 8 رموز، وليست حروفا) ثم نسجوا على منوالها واخترعوها، وكتبوها من اليسار إلى اليمين، مع أن هذه الرموز الطواريقية الصحراوية كانت توضع من فوق إلى الأسفل.
هذا كله مع أن أجدادنا الأمازيغ كتبوا الأمازيغية بالحرف العربي وكفى، مثلهم مثل العجم من الترك والهند والكرد... كلهم تبنوا الحرف العربي، وهناك مخطوطات في التفسير والشعر والعقيدة والفقه بالأمازيغية بالحرف العربي... فلماذا تم العدول عنه لحرف مختلق أو فيه اجتهاد وتكلف في تفسيره؟! فالحرف مجرد وسيلة، ولن تفقد الأمازيغية قيمتها إن كتبت بالحرف العربي، بل ستصل الماضي بالحاضر وتحافظ على تراث الأجداد المكتوب به.
وأقدم حرف كتب به البربر بالاتفاق هو الحرف "الليبي الفينيقي" (Lybeco-Berber)، (وليبيا في الاستعمال القديم تعني إفريقيا)، ولا يزال الخبراء حائرين في فك ألغازه لحد الساعة؛ لأنه ثنائي الوضع (Bilingue)...
وأتحدى أي شخص يعطيني مصدرا قديما يطلق لفظ "أمازيغ" على البربر اطلاقا صريحا، أو أن يأتينا بأحد من المتقدمين سمى هذه السنة الفلاحية بالسنة الأمازيغية وربطها بشوشنق، أو أن هناك كتابا ألف بهذه الحروفة التيفيناغية، سواء من العرب أو من العجم أو من البربر، كل هذا لا وجود له...
أما في وقتنا هذا فالأمازيغ يستعملون لفظ "تمازيغت" بمعنيين: بمعنى الكلام واللسان، وبمعنى الأرض، وقد يكون هذا قديما في الاستعمال بين أجدادنا، لكنا نتحدث عن المصادر المدونة التي أرخت لشعوب شمال إفريقيا.
إذن جل هذه المعطيات أوهام، وبعضها أنشئ إنشاء من العدم من قبل أعداء الأمازيغ الذين تزعمهم الصهيوني الفرنسي "جاك بينيت" (Jacques Bénet) حامي الظهير البربري الفرنسي الذي فرضته فرنسا على المغرب للتفرقة بين الأمازيغ والعرب، فرفضه الجميع في عام سمي بـ"عام اللطيف"، و"جاك بينيت" هذا هو منشئ العلم الأمازيغي بمباركة بعض متعصبة الأمازيغ، وهو مؤسس الأكاديمية الأمازيغية التي سيتولد عنها الكونجريس الأمازيغي فيما بعد...
كل هذا يقع ضدا على إرادة الأمازيغ الذين يشكلون أكثر من 80 في المائة من سكان المغرب الكبير، وخاصة المغرب الأقصا، وجلهم يتكلم اللهجات العربية الآن، ولكن لو رجعوا للجذور وجدوا أن غالبيتهم من أصول أمازيغية، فكيف يقصى هؤلاء من أصلهم الأمازيغي وحقهم في ثقافتهم الأمازيغية لسبب وحيد وهو عدم إتقانهم لإحدى اللهجات الأمازيغية؟!
فكل من لا يملك سندا ووثيقة تبين أصوله العربية في شمال إفريقيا فالأصل فيه أنه أمازيغي حتى يثبت العكس، سواء تكلم اللهجة الأمازيغية أو تكلم اللهجة العربية؛ لأن جل الأمازيغ قد تبنوا العربية لغة للتخاطب ونسوا لهجاتهم القديمة، كما تبنى قبائل الإفرنج (Les Franges) اللاتينية عندما هاجروا من شمال أوربا واستقروا في بلاد الغال "La Gaule " (فرنسا حاليا)، أما هم في الأصل فجرمان لا علاقة لهم باللاتين...
إن "العواطف عواصف"، البعض عندما يسمع هذه الحقائق يصدم فيتهجم علينا بدل أن يثبت عكسها بالمصادر والحقائق التاريخية...
يتحسر الإنسان عندما يرى أناسا يريدون أن يحيوا أمورا مخالفة لثقافة الأمازيغ الحقيقية، فيحصرون تاريخ شعب عظيم في مجرد لبس الجلود وأكل الكساكيس والعصيدة وصبغ الأجسام ووضع شعر المعز على الرأس... الثقافة يا سادة أعظم من هذه الأمور البيدائية؛ الثقافة هي كل ما يعبر عن شعور وروح الإنسان ورقيه...
إن ثقافة الأمازيغ (أو البربر) ثقافة اختلطت وامتزجت فيها ثقافة مجموعة من الشعوب (حوالي 7 قوميات متعاقبة على شمال إفريقيا)، آخرها الشعوب الإسلامية، فتولدت ما نراه اليوم من ثقافة فريدة في شمال إفريقيا، فهذه هي الثقافة الأمازيغية ولا مزيد عليها. ومن أراد أن يخترع شيئا لا أصل له فله ذلك، لكن لا ينسبه -رجاء- لنا ولأجدادنا الأمازيغ بهتانا وزورا، بارك الله فيكم.
ملاحظة:
لمن لم يعجبه كلامي هذا أقول: قبل أن تسبني أو تتهمني أو تتهكم علي... اذهب وابحث وأتني بما يدفع هذا التحدي الذي أعلنته، وأجبْ عن هذه الإشكالات بعلم وإحالات لتنورنا وتنور جميع الناس، وبعدها أعاهدك أمام الله تعالى وأمام الناس بأني سوف أتراجع عن أي مسألة يتبين لي خطؤها.
والله الموفق للصواب.
بقلم: عبد السلام أجرير الغماري

حول استعمال لفظ "البربر" و"الأمازيغ"

سألني أحد الإخوة قائلا:
"رأيت منشورك حول مصطلح الأمازيغية الذي قلت عنه إنه مستحدث، إلا أنه توجد منطقة عندكم في المغرب إسمها أيت مازيغ، هل هذه المنطقة سميت بهذا الإسم بعد 1970 كما تقول"؟
فكان جوابي:
لم أقل هذا، بل قلت إن مطالبة الاحتفال بما يسمى بالسنة الأمازيغية المرتبطة بالفرعون شيشانق لم تظهر للوجود قبل 1970... أما كونها سنة فلاحية فهي قديمة جدا واحتفل بها أجدادنا منذ القديم.
أما استعمال لفظة "أمازيغ" فقد قلت لعل ابن خلدون أول من استعملها من المؤرخين، فنسب فرقة من البربر إلى مازيغ بن كنعان، ولا نعلم أحدا قبله استعملها كعلَم على شعب سكان المغرب.
أما في العصر الحديث فالناس يستعملون "تمازيغت" بمعنيين:
- الأول بمعنى اللغة واللسان، وهذا لا يزال عندنا في الريف، تقول: "ساورْ تمازيغت"، أي: "تكلم الأمازيغية".
- والاستعمال الثاني لـ"تمازيغت" هو بمعنى الأرض، وهذا منتشر بسوس المغرب وغيرها...
وقد كان الهدف من هذا الكلام أن أبين أن المصطلح القديم الذي استعمله العرب والعجم جميعا -وحتى ابن خلدون الذي سمى كتابه "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر"- لسكان هذه المنطقة هو البربر.
وهذا الاسم في العربية لا يحمل أي معنى قدحي، ولا أعلم استعمالا عربيا قديما للبربر بمعنى التوحش، بل هذا مصطلح دخيل على العربية من لغات أوروبا الذين يطلقون "البرابرة" على الشعوب الجرمانية المتوحشة.
فالبربر أو البرابرة في العربية لا يعني سوى هذا الشعب الذي يسكن بشمال إفريقيا، فهو علم على الذات وحسب، وإذا افترضنا أنه من أصل قدحي، فقد تُنوسي ولم يعد حاضرا في استعمال العرب، حتى إن أحد البربر ألف كتابا يفتخر فيه بالبربر وسماه "مفاخر البربر" ولم يسميهم الأمازيغ، مع أنه في مقام الفخر والاعتزاز!
ومعلوم أن اللغة تتطور، وتنتقل معاني الألفاظ من معنى لآخر فتصبح الحقيقة مجازا والمجاز حقيقة...
لكن طالما انتشر استعمال الآن لفظ "أمازيغ" للدلالة على البربر قديما، وأن هناك من يجد حساسية في لفظ "البربر"، فمن الجميل استعمال "الأمازيغ" من باب "مناداة الناس بأحب الأسماء إليهم"، ولكن هذا لا يعني وجودها في الكتب القديمة، تماما كما نقول إن المرابطين حكموا المغرب والجزائر وتونس وموريطانيا... مع أن هذه الأسماء لم تكن في عهد المرابطين قطعا.
والله الهادي للصواب.

إلى من يسأل عن أصل الأمازيغ (البربر)

إلى من يسأل عن أصل البربر أو الأمازيغ؟ ومن أين جاءوا هل من اليمن أم من كنعان أم من الصحراء أم من أوروبا؟ أقول له:
سؤالك هذا لا قيمة له، كيف تسأل عن شعب عمّر آلاف السنين في هذه الأرض عن أصله؟
المنطق يقتضي أن من عاش حقبة من الزمن في أرض ما وتشرب من مائها وعاش في ترابها وأخذ من ثقافة أهلها فهو منها بالضرورة... ولذلك لا أحد يشك في أن النبي محمد عليه الصلاة والسلام عربي؛ مع أن جده الأعلى هو سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهو عبراني وليس عربيا بالإجماع، ونفس الشيء يقال عن قريش كلها...
السؤال عن أصل الأمازيغ سؤال غير بريء، لماذا لا يكون هذا السؤال عن الفرنسيين والألمان والإسبان مثلا؟ مع أنه معلوم وبالتأكيد أن الفرنسيين قد وفدوا هم أيضا على بلاد الغال من شمال أوروبا، كما وفد الجرمان على بلاد بروسيا والوندال والقوط أيضا على الأندلس وشبه الجزيرة الإيبرية...
في رأيي كل سؤال عن أصل الإنسان من أين أتى بعد حقبة طويلة من الوجود، لهو ضرب من العبث.
في الدول المتقدمة تعتبر مجرد الولادة على أرضها سببا كافيا للمولود بأن يحمل جنسيتها فيُسَوى مع باقي مواطني الدولة بدون تمييز، ونحن بعد أزيد من 20 قرنا من وجودنا في هذا البلد السعيد لا زلنا نبحث عن سكان المغرب الأصليين!
وفي بعض الدول الأخرى تعتبر الجيل الثالث جيلا كامل الوطنية والانتماء لبلد الإقامة.
إني أعتبر السؤال عن أصل الأمازيغ أو الأكراد أو الترك أو العرب... الآن تعبيرا عن تخلف الفكر الإنساني في زمان تجاوزت فيه جل الدول مفهوم القومية والعصبية والشعوبية...
أفلا نستيقظ ونتدبر؟ ونعلم أن مثل هذه الأسئلة والبحوث الهدف منها إذكاء نار العنصرية وإدخال الناس في التيه وحسب؟!
الخميس، 13 ديسمبر 2018

مبدأ "تمام الدين واكتماله" لا يتعارض مع المحدثات الحسنة الخادمة له

مبدأ "تمام الدين واكتماله" لا يتعارض مع المحدثات الحسنة الخادمة له
يقول تعالى: 《اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا》.
إن إتمام الدين واكتماله لا يعني الجمود على حرفية وظواهر النصوص ورد ما لا نص فيه، ولا يعني أيضا أن الشرع قد تكلم عن كل جزئيات المصالح والمفاسد، فلو أوجبنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبيان الأصول والفروع وفروع الفروع... لنسبنا للشرع القصور وإلى العلماء الصالحين الفجور، إذ كثير من الأمور المحدثة ما بينها النبي عليه السلام بالنص ولم يشرعها بالحرف، ولكن المسلمين بعده فعلوها وابتدعوها ابتغاء رضوان الله فرعوها حق رعايتها، فاستحقوا الأجر عليها، وعلى رأس ذلك جمع القرآن في مصحف واحد وحرق ما سواه، وترك كثير من الحروف التي نزل عليها القرآن والاكتفاء بحرف قريش، وزيادة الأذان الثاني والثالث، وابتداع التسميع في الصلاة والتجويد في الأذان المستمرين إلى اليوم في الحرم المكي والمدني، وتوسيع المسجد النبوي وإدخال قبور النبي وصاحبيه رضي الله عنهما فيه، وهدم الكعبة وتوسيعها لتشمل قواعد إبراهيم في عهد عبد الله بن الزبير، وكتابة الحديث مع نهيه عليه السلام عن كتابة غير القرآن، وقراءة التلاميذ القرآن جماعة للتعلم مرددين على قراءة الشيخ، وإعطاء الأجرة على إمامة الصلاة، وجعل الطلاق الثلاث في كلمة واحدة نافذا ثلاثا بائنا في عهد عمر خلافا لعهد النبوة، ووقف الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وعدم تنفيل أراضي البلدان المفتوحة كسواد العراق بين المجاهدين، وجمع الناس في صلاة التراويح وراء إمام واحد طيلة شهر رمضان، (وقد صرح الفاروق رضي الله عنه مبتدع هذا الفعل قائلا "نعمة البدعة هي")...
ومائات القضايا من صميم العبادة ابتدعت بعده عليه السلام وكان المقتضي لها موجودا في عهده فما أمر بها ولا نص عليها ولا منعها...
ولكن بفهم السلف الدقيق للشرع وروحه ومقصده أحدثوا هذه البدع الحسنة فنفعت الأمة وانتفعت بها. لأن هذه المحدثات من الدين وخادمة لمقاصده، والنهي إنما وارد في المحدثات التي ليست من الدين؛ لقوله عليه السلام في ما رواه مسلم وغيره ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) وهذه المحدثات من الدين وخادمة له ومن مقاصده.
* تنبيه:
لا يعترض على هذا الكلام بأن هذه الأفعال من سنة الخلفاء الراشدين، وقد نص النبي عليه السلام بصواب فعلهم واتباع سنتهم... لأن هذا كلام عام يحتاج لتحرير من عدة وجوه:
1- فعل الخلفاء الراشدين ناقشه العلماء في حديثهم عن أصل "مذهب الصحابي" وهو أصل مختلف فيه في التشريع؛ والأصل أن الحجة في كلام الشرع وحده لا في كلام البشر. ومن احتج به شرطه بشروط لم يسلم بها المخالف. فرجع اجتهاد الخلفاء والصحابة إلى فهوم السلف، والفهوم يتقوى بها الاجتهاد ويصوب بها الرأي، ولا تكون أصلا للتشريع. وعليه؛ فما فعله الصحابة من صميم مقاصد الشريعة وتحقيق غاياتها، فيقاس على فعلهم واجتهادهم ما كان شبيها بفعلهم؛ لأنهم خير من أعمل وفعل شرع الله وكلام نبيه.
2- النبي لم يحصر لنا عدد الخلفاء الراشدين بعده ممن ينبغي اتباع سنتهم، بل أطلق وقال ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي))، فكل حاكم راشد صالح بعده سن سنة حسنة مثل ما فعل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم فينبغي اتباعه، ويشمل هذا كل حاكم راشد كالخلفاء الأربعة والحسن بن علي عليهما السلام وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما (الذي بويع بالخلافة على الحجاز والعراق واليمن... وكان خليفة راشدا)، وعمر بن عبد العزيز، ونور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، ويوسف بن تاشقين، وكل حاكم راشد إلى يوم الدين.
3- على المخالف المتوسع في التبديع -حتى ينسجم مع منطقه ولا يتخبط في تصوره وفكره- أن يرد كل محدثة في الدين بما في ذلك ما أحدثه السلف (وقد ذكرت أمثلة منها وهي من صميم العبادة المحضة)، أو قبول كل محدثة منسوجة على منوال ما فعله السلف تحقق مصلحة راجحة كالاجتماع على تدارس سيرة النبي الكريم في مناسبة ميلاده التي تصادف 12 من ربيع 2 (في قول جمهور العلماء، ويكفي الظن في هذه الأمور ولا يطلب فيها القطع واليقين)، فكل احتفاء به بتنظيم تجمعات لمدحه واستماع خصاله وصفاته وتنظيم جلسات ومسابقات في التجويد وحفظ الحديث، ومحاضرات دورية طيلة هذا الشهر، وتخصيص خطبات الجمعة في هذا الشهر للحديث عن سيرته ومقامه وحقوقه... كل ذلك من الدين ومن صميم ما أحدث وكان على نهج السلف، ولله الحمد، وودنا أن نصير بعد هذا إلى تصيير كل السنة احتفاء به.
أما ما علق بهذه الاحتفالات من منكرات وشرك ووو فالدين بريء منها، ومن أجاز الاحتفال بريئ منها؛ ولا يجوز لك أن تحاسب أي إنسان إلا بشروطه وعلى شروطه. وإلا أغلقنا وسددنا جل أبواب الخير؛ لأن هناك من يستغل هذه الأبواب للتذرع للمنكرات. فالمنكر يزال وأسباب الخير تحفظ.
فمتى نفهم أن السلف رضي الله عنهم كانوا على المناهج دون أن يجمدوا على النتائج؟!
رد الله بنا للصواب ووحد كلمتنا للوقوف في وجه عدونا الحقيقي الذي يستبيح ديارنا ونفوسنا وأموالنا، فإنه من المؤلم أن نفرغ جهدنا وطاقتنا وفكرنا في هذه الأمور الفرعية وديارننا يمارس فيها الكافر ظلمه قتلا وتشريدا، كما يقع الآن في سورية وخاصة في حلب، لطف الله بها وبسائر البلدان.
الخميس، 8 نوفمبر 2018

لا يُخرج من ملة الإسلام من دخل فيه إلا إذا أنكر مقطوعا به

لا يُخرج من ملة الإسلام من دخل فيه إلا إذا أنكر مقطوعا به ثبوتا ومعنى كجلد القاذف، أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة كحرمة الخمر، أو أنكر ركنا من أركان العبادات والعقائد كوجوب الصلاة ووجود الأنبياء.
أما من أنكر جزئيات وتفاصيل هذه الضرورات والكليات فإنه يخطأ ويحكم عليه بالزلل ولا يكفر ولا يخرج من الملة.
وعليه، فلا يكفر:
- من رد عذاب القبر للأجسام وحصره في الأرواح وحسب؛ لأن الركن هنا هو العذاب في الآخرة، وتفاصيل ذلك ليست قطعية. (ونحن نخطئهم، ونؤمن أن عذاب الأجسام في البرزخ ثابت بالأخبار الصحيحة التي لم ترق لدرجة القطع الذي لا عذر معه).
- من قال بفناء النار بعد أحقاب من العذاب؛ لأن القطعي هنا هو عذاب الكفار بالنار يوم الآخرة خالدين فيها أحقابا. (ونحن نقول بأن الخلود لا نهاية له، بل مؤبد).
- من قال بخلق القرآن؛ لأنه مع ذلك يثبت أنه كلام الله تعالى المعجز الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. (ونحن لا نقول بخلق القرآن، وهو خطأ بين).
- من قال بخلود العاصي المرتكب للكبيرة في النار؛ لأن بعض ظواهر النصوص تصرح بذلك، كقتل المسلم عمدا دون توبة. (ونحن لا نقول بخلود العاصي المسلم في النار).
- من قال بأن الإنسان يخلق فعله؛ لأن من قال بذلك لم ينف أن الله تعالى مطلع عليه وعليم به. (ونحن نقول إن الإنسان مكتسب لفعله لا خالق له).
- من قال بأن الإنسان مجبر على فعله غير مخير فيه؛ لأنه لا ينفي كون المسيء معاقب على إساءته وأن الله بريء من معصيته. (ونحن نقول إن الإنسان ليس مجبرا على فعل ما كان داخلا في استطاعته).
فهذه من أكثر المسائل التي اعتمدت في تكفير بعض مدارس الإسلام، وهي مسائل في الحقيقة لا ترقى لمستوى التكفير إلا بعوامل أخرى خارجية يجب بيانها تبيينا.
فإذا كانت هذه المسائل -وهي كما نرى خاطئة بينة الخطإ- لا نكفر أصحابها، فهل نكفر المخالف لنا في الصفات الخبرية هل هي على الحقيقة أم على المجاز؟! قطعا لا.
والله المستعان، وهو الهادي لسواء السبيل.
الاثنين، 22 أكتوبر 2018

برنامج حقائق في دقائق: حلقة اليوم حول مشروعية "التهليل" بالليل ومثله من الوسائل التي تعين على العبادة.

برنامج حقائق في دقائق
حلقة اليوم حول مشروعية "التهليل" بالليل ومثله من الوسائل التي تعين على العبادة.
اعداد وتقديم: عبد السلام أجرير
للمزيد من الاطلاع على حلقات برنامج "حقائق في دقائق":
https://www.youtube.com/user/ajrir/featured…

الأحد، 14 أكتوبر 2018

الرد على الطبيب الذي أجاز للحائض الصوم

وصلني شريط لطبيب مصري يدعي أن للمرأة الرخصة في أن تفطر في أيام الحيض التي تشعر فيها بالألم وحسب؛ لأنها تدخل في حكم المريض! مثلا تفطر في الأيام الثلاثة الأولى من حيضها فقط، أما الأيام التي لا تشعر فيها بالألم فيجب أن تصوم كالمعتادة... وراح يشرح ويتفلسف ويتشدق...
قلت: لم أكن أريد الجواب ولا الخوض في تفاهات كهذه التي تستشكل الأصول والقواعد والمعلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه تضييع للوقت وتفويت للبناء والإصلاح... فمن ناقشك في الأصول المحكمة والقواعد البينة مما يعلمه المسلم من دينه بالضرورة كيف أن تجد بعدها وقتا للفروع والتفصيل؟
ولكن خوفا من أن تزيغ أفئدة بعض النساء مع هذه الشبهات التي أصبح يروج لها من لا علم له ولا تخصص، أجبت عن السائل بما يلي باختصار:
استمعت لهذا المدعي رغم أني متقين مسبقا لتهافت كلامه وعدم صحته؛ لأن المسألة من القطعيات التي لا يتصور زعزعتها؛ فالمسألة مجمع عليها ومحكمة، ولو تعاملنا مع النصوص بأهوائنا التي نتصورها منطقية وعقلانية أين سنصل؟!
هذه الأمور شرعية والحكم فيها راجع للشرع لا لهوى العقول... فأحكام الحيض أحكام تعبدية شرعية، وليست معللة بالمصالح وتطور الزمان والمكان حتى يتم فيها الاجتهاد. فهي كالمسح على الخفين الذي قال فيه الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخف أولى بالمسحِ مِن أعلاه".
غريب أن يستميل النساءَ كلامُ غير متخصص بالعلوم الشرعية ملقى على عواهنه مخاطبا للعاطفة مدغدغا لمشاعر المرأة...
إن دم الحيض وقع إجماع الأمة -ولا أقول المذاهب الأربعة وحسب- على أنه مانع من الصلاة والصيام... فإذا صامت الحائض يكون صيامها باطلا، بل وحراما عند أكثر العلماء، وبطلان صيامها بالنصوص الصريحة، ولو تأولها متأول كان تأويلا فاسدا.
فهل يستقيم أن يأتي طبيب في آخر الزمان ليأتينا بشرع جديد لم ينتبه له الأولون والمتأخرون؟ إن هذا لأمر عجاب!
من أراد شيئا آخر ليس في شرع الله فليخرج من هذا الدين وليقل ما يشاء وليعتقد ما يشاء، لكن لا يكذب على شرع الله ويشوش على عموم الناس باسم الدين.
طيب، فلو أجزنا لها الصيام بهذا الفهم السقيم، فهل سنجيز لها الصلاة أيضا؟ منطق هذا المدعي يقضي بوجوب صلاتها أيضا؛ لأن نفس المانع الذي منع صومها منع صلاتها، بل الصلاة أولى من الصيام في الحفاظ عليها؛ لأنها تكون في علاقة مباشرة بربها تعالى وباستمرار يومي طيلة السنة، وهي صلة بين العبد وربه...
إن ترك الصيام والصلاة في الحيض هو عين الاتباع وتنفيذ للواجب، فالمرأة تتقرب إلى الله تعالى في فترة حيضها بتجنب الصيام والصلاة، ولها أن تفعل باقي العبادات الأخرى التي لا يكون فيها الحيض مانعا.
ثم إنه كما منع الله المرأة من الصوم والصلاة في الحيض، فقد منع الرجال والنساء جميعا من ذلك في أوقات أخرى، كصوم العيدين والصلاة في الغروب والشروق... فالعبادة لها شروط شرعية، ولا تكون في كل وقت وفي كل حال، ولا تصح إلا بهذه الشروط، فإذا ظهر من يقول لنا إن صلاة النوافل في الغروب والشروق فيها تقرب لله تعالى قلنا له كذبت؛ لأن هذا الوقت وقت النهي...
ومن قال لنا الصيام أيام العيد فيه أجر لأنه قربة لله وفيه خير، قلنا له كذبت، فالشرع نهى عن الصيام في عيد الأضحى وعيد الفطر...
الشرع المحكم المجمع عليه لا يتغير لمجرد فلسفات خاوية وكلام عاطفي عابر. فلنرتقي بأنفسنا، ولنتعلم العلم الذي ينفعنا، وقبل الاستماع للشبهات يجب أن نحكم الإشكالات، ونجلس أرضا للتعلم والاغتراف من علوم الشرع من مصادرها ومعينها، بعد ذلك نسمع لكل متكلم بدون ملامة ولا إشكال.
والله تعالى الموفق للصواب.

هل التبرج لا يخرم العفة؟

في زمان قريب كانت المرأة المسلمة المتبرجة تعلم أنها بتبرجها مخالفة للشرع، وأنها تأتي أمرا محرما، فتتبرج وكلها أمل في التوبة والتستر، وتطلب من الله العفو والصفح والتوفيق للباس الشرعي، والكل كان يدعو لها وينصحها للتستر والتحجب...
وفي هذا الجو ظهرت موجات من الالتزام بالزي الشرعي في السبعينات والثمانيات وبداية التسعينات...
ثم فجأة، ومع موضة التدين المزور المعتمد على القشور، وبعد أن تم اختراق الحركات الإسلامية رسميا في فكرها ولبها، وصلنا لزماننا هذا -زمن الغرائب والعجائب- لنسمع عمن يدافع عن المتبرجة بكل وثوقية، ويستدل للمتبرجة في أن كشف عورتها ليس مناقضا لجوهر التدين، وأن العفة لا ترتبط بالحجاب، بل التبرج والحجاب أمر شخصي، ولا يقاس بهما الالتزام...!

هل حب الأوطان من الإيمان؟

بداية، هذا ليس حديثا، ولكنه مقولة صحيحة بشروطها.
وجوابا عن هذا السؤال يتطلب تعريف "الوطن"، وبالتأكيد، فإن الوطن ليس مجرد تراب وحجر وشجر وماء... وإلا فالأرض كلها وطن بهذا الاعتبار.
إن الوطن هو ذاك المكان الذي ينتمي إليه الإنسان بروحه قبل جسده، فينعم فيه بحرية التفكير والمعتقد وبالعدالة الاجتماعية، ويشعر فيه بأنه في بيئته التي يحب أن يكون فيها، وأنه يتقاسم مع أهله الثقافة التي يؤمن بها. هذا هو الوطن، الحقيقي للإنسان، ولو كان موجودا في سيبيريا والألاسكا.
وبالتالي، فالوطن الذي يجد فيه المسلم كل مقومات الثقافة الإسلامية مع حفظ كرامته فإن محبته من الإيمان؛ لأنه وطن يحرس له إيمانه ويقوي عقيدته ويحمي شريعته ويحفظ له كرامته، فحبه من الإيمان ولا شك.
فإذا لم يجد كل هذه المقومات في البلد الذي هو فيه، نظر بعين الميزان إلى أقل البلدان ضررا على دينه وكرامته وثقافته، فاعتبرها موطنه الذي يريد: فإما أن يهاجر إليه، أو يصبر ويعمل مع المصلحين في تحسين أحوال مجتمعه حتى يصير وطنا صالحا، {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
الاثنين، 1 أكتوبر 2018

حتى لا نشوه معنى الالتزام

الالتزام باختصار يعني عدم تجاوز الحدود، ولا يعني حرمان النفس مما أباح الله في حدود المعروف.
لقد تشوه مفهوم الالتزام في مجتمعنا باختصاره في شعائر معينة وبمظاهر خارجية مخصصة، واغفلنا لب الالتزام الذي هو التقوى والرفق والعمل بالحسنى وخفض الجناح للناس...
والحق تعالى دائما ينبهنا إلى ضرورة تحصيل فقه المظهر مع فقه المخبر معا: واجب القلب مع واجب الجوارح. فمثلا عندما أوصانا تعالى باللباس وستر العورة واحترام حدودها بقوله {يا بني ءادم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا} قال بعده مباشرة: {ولباس التقوى ذلك خير}... فلا معنى أن نبالغ في واجب ستر عورة الجوارح ونتساهل في واجب ستر عورة القلوب.
والواحد منا لو قام برصد مفهوم الالتزام في الواقع لوجد ذهن الناس حوله ينصرف للشكل والصور، ويتناسون عمل القلوب والسلوك... فالأشكال والصور مطلوبة، ولكن صفاء القلب وحسن التعامل أوكد في الطلب، وفي الأثر المشهور: "الدين المعاملة"، أي: أهم ما في الدين معاملة الناس بالحسنى. وله شواهد في الحديث الصحيح.
والالتزام لا يعني العصمة ولا يعني الرهبنة ولا يعني الطهرانية... بل هذه غايات ومقاصد وكمالات نقصدها بدخولنا الالتزام، ولكن ليس بالضرورة ان نصير إلى أعلى مراتبها، ولكن "ما لا يدرك كله لا يترك كله" .
ومن صفات الملتزم المستقيم أنه يؤوب ويتوب ويرجع لربه عند كل سقطة أو خطإ، ولا أحتاج للتذكير بالنصوص الشرعية في مدح الخطائين التوابين.
فنحن بحاجة إلى مراجعة مفهوم ومعنى الالتزام قبل تشويهه، والتشويه دائما يكون للفضائل، ولا تشوه الرذائل، فهي مشوهة بطبعها.
والله تعالى الموفق والمسدد.

مما لا ينبغي الاستسلام له: اسقاط الولي في الزواج

الزواج بدون ولي باطل غير صحيح شرعا، ولو أجازته مدونة الأسرة؛ لأن القانون لا يبطل الشرع البين، وحكم الحاكم لا يرفع الخلاف غير المعتبر، وإنما يرفع الخلاف المعتبر.
ثم المدونة خالفت حتى المذهب الحنفي الذي قد يظن البعض أنها أخذت به؛ لأن المذهب الحنفي يندب إلى الولي ويطلبه ابتداء، وإنما يصحح الزواج بدون ولي إن وقع وتزوجت من كفء لها، وإلا فسخ.
وداخل المذهب الحنفي نفسه قول موافق للجمهور في وجوب الولي وركنيته، وهو قول محمد بن الحسن الشيباني، وعليه عمل المتأخرين.
فوجب على الشعب أن يضغط بطرق سلمية من أجل تغيير هذا القانون المجحف، كما ضغط العلمانيون قبل من أجل تغيير وجوب الولي، فغيروه لأجلهم. فالقانون نتاج الضغوطات والتشاورات، وشرع الله الثابت لا تغيير فيه ولا ضغط، ولو تمالأ ضده أهل الأرض جميعا.
والله الموفق والمستعان.

خلاصة زواج الفاتحة (=الزواج العرفي)

زواج الفاتحة يحرم الإقدام عليه ابتداء؛ لأن التوثيق شرط واجب قانونا لحماية الحقوق، والقانون الذي فيه مصلحة شرعية هو كالعرف، والعرف معتبر شرعا بالاتفاق.
فإن وقع الزواج بدون توثيق للعقد فعلى صاحبه الإثم والوزر، ولكن يصحح بعد ذلك بشرط التوثيق؛ لأن فقدان الشروط يصحح معه العقد بها، ليس كفقدان الأركان، فإن العقد لا يصحح بعدها إلا بعقد جديد.
والله الموفق والمستعان.

الحجاب ليس مجرد قماش فوق الرأس

هل رمي قطعة من قماش مفكوكة الجانبين يخرج منهما الشعر قصدا تسمونه حجابا؟! فإذا ما انتزعت صاحبته ما بقي من غطاء الرأس قلتم نزعت حجابها !؟
كلا ورب الكعبة، ما كان حجابا من الأصل. شروط الحجاب معروفة عند الفقهاء، فلا بأس أن تراجعوها إن وقع السهو والغفلة عنها.
لطف الله بنا وبفهومنا.

الحذر من التساهل بالحجاب !

إلى الإخوة والأخوات الذين ينتقصون من واجب وفريضة الحجاب ويتاسهلون فيه أقول:
إعلموا - رحمكم الله- أن هذا الفكر هو من تلبيس إبليس، التبرج والسفور معصية قطعا، والاستخفاف بالمعاصي معصية، بل كبيرة.
المعاصي يستغفر منها الله ويطلب منه تعالى التوبة والهداية لصاحبها، لا يقال فيها حرية شخصية ولا أن العفاف ليس له ارتباط بالحجاب!
إن هذا الكلام خطير من الناحية الاعتقادية قبل الناحية الشرعية. التبرج معصية، ولا نفرح بالمعاصي ولا نتجاهلها.
والذي نستغرب له أن يقول البعض في معرض الدفاع عن التبرج: هناك من هي محجبة وتفعل كذا وكذا من المعاصي، وهناك من هو ملتح ويفعل كذا وكذا من المعاصي...
قلت: هذا أيضا من تلبيس إبليس، فهذا الكلام معلوم قطعا أنه حق، ولكن في هذا السياق يخشى منه أن يجر للباطل. لم يدع أحد من العالمين أن مجرد التحجب أو مجرد التلحي يكسب العصمة من الزلل. بالعكس: الذي يريد الالتزام هو أكثر الناس فتنة، وسهام الشيطان والنفس موجهة إليه بقوة.
خلاصة الجواب على هذا التلبيس كله أن يقال:
من تبرجت وكانت عفيفة في شرفها وطيبة القلب، فقد حصلت جانبا من الشرف وفرطت في جانب آخر منه وهو الحجاب، فهو التزام ناقص، لها من المدح بقدر محامدها، وعليها من الذم بقدر تفريطها، والتبرج تفريط قطعا.
ومثل هذا أيضا يقال على المحجبة العاصية بأفعالها: تمدح لحجابها وتذم لمخالفتها... فلا المتبرجة العفيفة تعفي المحجبة من وجوب حجابها، ولا المحجبة المميعة تغري بالمتبرجة فتترك عفتها.
أرجو أن تصل الرسالة للإخوة والأخوات، وإياكم إخوتي ممن من الله عليكم بالالتزم بالواجب الظاهري في سمتكم وهندامكم وابتليتم ببعض المعاصي أن يزيغ بكم الشيطان فتهدموا ستر الله عليكم وتجمعوا لمعاصيكم معاصي أخرى، إنه الاستسلام للشيطان ولجنوده من الإنس حينها.
والله الموفق والمسدد، نسأله الثبات والعفو والهداية.

حجاب المرأة وتسترها حق للرجل

حجاب المرأة وتسترها حق للرجل، واجب على المرأة له لا لها، فلولا الرجل ما كان هذا التغليظ في اللباس واجبا؛ دليله أن عورة المرأة مع المرأة من السرة للركبة.
فالحجاب أختي المسلمة ليس حقا لك حتى تستاهلي فيه، بل حق لأخيك الرجل، فلا تظلمي حقه.
الرجل خلقه الله بالفطرة مفتتنا بزينتك، معذبا بتبرجك، فاتركي كل ذلك لزوجك ومع محارمك، وأعيني الرجل الأجنبي عنك بتحجبك الصحيح على التقوى وغض البصر والإخلاص لزوجته...
السبت، 29 سبتمبر 2018

كيف نفهم قول الله تعالى عن مريم عليها السلام: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}؟

كيف نفهم قول الله تعالى عن مريم عليها السلام: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} (مريم: 28)، مع أن ما بين مريم بنت عمران وبين هارون بن لاوي النبي عليه السلام مئات السنين؟
الجواب:
لقد نبه المفسرون إلى أن النسبة هنا تحتمل وجهين:
- فإن كانت النسبة نسبة حقيقية، فقطعا ليس هو هارون النبي أخو موسى؛ لأن بينهما مفاوز من السنين، وحينها يكون المقصود به أحد الصالحين في زمانها ممن كانت له أخوة بينهما نسبا أو رضاعا...
- أما إن كانت النسبة نسبة تشريف، فيجوز أن تنسب مريم لهارون النبي في الصلاح والتقوى والعفة، فتكون أخته في الدين والصلاح، وإن وجد في زمان غير زمانها.
وأنا أضيف هنا مسألة أخرى تساعد في الفهم أيضا، وهي أن مجتمع بني إسرائيل قديما -وحتى إلى الأزمان المتأخرة- كانوا يطلقون على رجل الدين فيهم لقب "الهاروني"، نسبة لهارون النبي، وآل هارون هي الأسرة التي تقلدت أمور الدين في بني اسرائيل تاريخيا، فهي أسرة محترمة عند بني إسرائيل كالشرفاء عند المسلمين، فمنهم الكهان ورجال الدين.
وبناء على هذا الفهم، فإن تشبيه مريم عليها السلام في القرآن الكريم بهارون يعني تشبيهها برجل الدين الصالح، فكل رجل دين صالح من بني إسرائيل يمكن تسميته بهارون أو الهاروني.
والله أعلم.

العامي مذهبه التقليد وجوبا

كتب أحد الباحثين الفضلاء:
"ارحموا الناس يرحمكم الله، عشرات الفتاوى في تقدير نصاب الزكاة، كل فتوى تخالف نظيرتها".
قلت:
وجب أولا ترسيخ أصل وجوب تقليد العامي لمفتيه، فمن أفتاه عالمه أو فقيهه بشيء يتبعه ولا يلتفت لغيره.
قديما اختلف الناس في تقدير مقياس الزكاة: هل يكون بالفضة أم بالذهب... ولكن لم يكن هذا الاختلاف يؤثر كثيرا على عمل الناس؛ لأن عامة الناس كانوا يقلدون من يثقون بفتواهم.
أما الآن، فكل شخص يريد أن يعرف الدليل، ويعرف الخلاف... وأنت إن بسط له الدليل يكاد لا يفقهه، وإن ذكرت له الخلاف أدخلت الريبة في نفسه وفي عبادته.
فأول شيء ينبغي علينا إقناع الناس به: وجوب أن يتبع غير المجتهد المجتهد، ووجوب أن يقلد المقلد المفتي، ثم لا يلتفت لشيء آخر.
ثانيا: حبذا لو قام المجلس العلمي الأعلى بتحديد نصاب الزكاة نقدا كل سنة، فيُسترشد بفتواهم وتكون مرجعا.

هل حقا أن اعتبار الذهب في زكاة المال بدل الفضة مخالف للسنة؟

اعتبار الذهب مقياسا في زكاة المال ليس ثابتا من باب القياس وحسب، كما يظن الكثير، بل قد جرى به العمل في الدينة المنورة خلفا عن سلف، وعمل أهل المدينة بمثابة السنة المتواترة إن وقع عليها الاتفاق، فهي سنة فعلية متوارثة، تقدم عند الكثير على السنة القولية إن وقع التعارض.
قال مالك في الموطإ:«السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، أن الزكاة تجب في عشرين دينارا عينا، كما تجب في مائتي درهم». كتاب الزكاة: باب الزكاة في العين من الذهب والورق.
ولننتبه هنا إلى قول مالك "السنة التي لا اختلاف فيها عندنا"، فهذه من أعلى صيغ وعبارات إجماع أهل المدينة الواردة عن مالك رحمه الله.
إذن فاعتبار الذهب في زكاة المال مثله مثل اعتبار الفضة من حيث قوة الدليل ولا فرق، فالفضة فيها نصوص مرفوعة، والذهب فيها سنة متبعة متوارثة معروفة مشهورة عن الصحابة والتابعين...